الخطيب الشربيني

694

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإن قيل : كيف جعل المصلين قائما مقام ضمير الذي يكذب ، وهو واحد ؟ أجيب : بأن معناه الجمع لأنّ المراد به الجنس . فإن قيل : أي فرق بين قوله تعالى : عَنْ صَلاتِهِمْ وقولك في صلاتهم ؟ أجيب : بأن معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك وقلة التفات إليها وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشياطين من المسلمين ، ومعنى في أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم . وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره ، ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم . وعن أنس الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم ، وقد مرّت الإشارة إلى بعض ذلك . فإن قيل : ما معنى المراآة ؟ أجيب : بأنها مفاعلة من الإراءة ، لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به ، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ولا غمة في فرائض الله » « 1 » لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ، ولأنّ تاركها يستحق الذم والمقت فوجب إناطة الهمة بالإظهار ، وإن كان تطوّعا فحقه أن يخفي لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا للاقتدار به كان جميلا . وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثني عليه بالصلاح . وعن بعضهم : أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطال ، فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك ، وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة على أنّ اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص . ومن ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : « الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود » « 2 » . ثم بين أن من هو بهذه الصفة يغلب عليه الشح بقوله تعالى : وَيَمْنَعُونَ أي : على تجدد الأوقات الْماعُونَ أي : حقوق الأموال والشيء اليسير من المنافع ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : الماعون الفأس والدلو والقدر وأشباه ذلك وهي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال مجاهد : الماعون أعلاها الزكاة المفروضة ، وأدناها عارية المتاع . وعن عليّ أنها الزكاة . وقال محمد بن كعب الكلبيّ : الماعون المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم . وقال قطرب : أصل الماعون من القلة ، تقول العرب : ما له سعنة ولا معنة ، أي : شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير وقيل : الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار . وقول البيضاويّ تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة أرأيت غفر له إن كان للزكاة مؤدّيا » « 3 » حديث موضوع .

--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 20 / 213 . ( 2 ) أخرجه البغوي في شرح السنة 14 / 324 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 105 . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 811 .